السيد حيدر الآملي
215
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
الثانية : أن يضيف إليه كفّ الجوارح ، فيحفظ اللسان عن الغيبة ، والعين عن النظر بالريبة وكذا سائر الأعضاء ، وذلك صوم الخواصّ من أهل اللّه . وأمّا الثالثة : فهو أن يضيف إليهما صيانة القلب عن الفكر والوساوس ويجعله مقصورا على ذكر اللّه تعالى ومشاهدته في مظاهره ، وذلك صوم خصوص الخصوص وهو الكمال المقصود بالذات ، وأمثال ذلك في هذا الباب كثيرة فارجع إلى مظانّها ، واللّه أعلم وأحكم . وأمّا إمساك الخامس ، فإمساك الحسّ المشترك الجامع للوهم والخيال عن عرض الصورة والمعنى على النفس كلّ ساعة ، فإنّه مانع عن السلوك والسير ، لأنّ كلّ من يشتغل بالصورة الحسّية يحجب عن المعاني الحقيقيّة العقليّة ، والمحجوب محجوب سواء كان بحجاب أو بألف حجاب ، فيجب على الصائم الإمساك عن أمثال ذلك ليخلص من الحجب ويشاهد المحبوب على الوجه الذي ذكرناه . وقد سبق في المقدّمات أنّ مثال النفس مثال شجرة لها عشرة أغصان ، يأخذ كلّ غصن منها حقّه من الماء الذي تشرب هذه الشجرة ، وذلك أمر طبيعيّ لا يمكن بدون هذا ، فلو فرض قطع تسعة أغصان منها لا بدّ أن تصل قوّة تلك التسعة وشربها إلى تلك الواحدة منها ، فينمو بذلك ويكبر ويكون ثمرته أحلى وأكثر وألطف وأحسن ، وكذلك النفس الإنسانيّة مع أغصانها العشرة التي هي الحواس ، فإنّ الإنسان لو قطع أغصانها التسعة عن نفسه بقطع تعلّقاته عن العالم ، فإنّ كلّ واحدة منها مخصوصة بتعلّق تكبير الغصنة الباقية منها ، ويكون ثمرته الفكريّة أعلى